الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

32

تفسير روح البيان

عليه السلام . والإنابة الرجوع إلى اللّه تعالى - روى - ان سليمان كان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية وكان في ظهره ماء مائة رجل اى قوتهم وهكذا أنبياء اللّه اعطى كل منهم من القوة الجماعية ما لم يعط أحد من افراد أمته وكذا الولي الأكمل فان له قوة زائدة على سائر الآحاد وان لم تبلغ مرتبة قوة النبي فقال سليمان عليه السلام يوما لا طوفن الليلة على سبعين امرأة اى اجامعهن أو تسعين أو تسع وتسعين أو مائة تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل اللّه ولم يقل ان شاء اللّه فقال له صاحبه اى وزيره آصف قل ان شاء اللّه فلم يقل فطاف عليهن تلك الليلة فلم تحمل الا امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فالقته القابلة على كرسيه وهو الجسد المذكور قال نبينا عليه السلام ( لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون ) قال القاضي عياض رحمه اللّه وان سئل لم لم يقل سليمان في تلك القصة المذكورة ان شاء اللّه فعنه أجوبة . اسدّها ما روى في الحديث الصحيح انه نسي ان يقولها اى كلمة ان شاء اللّه وذلك لينفذ مراد اللّه . والثاني انه لم يسمع صاحبه وشغل عنه انتهى فمعنى ابتلائه قوله لا طوفن إلخ وتركه الاستثناء ومعنى إلقاء الجسد على كرسيه إلقاء الشق المذكور عليه ومعنى انابته رجوعه إلى اللّه تعالى عن زلته وهو تركه الاستثناء في مثل ذلك الأمر الخطير لان ترك الأولى زلة للأنبياء إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين ألا ترى ان نبينا عليه السلام لما سئل عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين قال ( ائتوني غدا أخبركم ) ولم يستثن فحبس عنه الوحي أياما ثم نزل قوله تعالى ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وروى - ان سليمان عليه السلام ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله وذلك انهم كانوا يقدرون في أنفسهم انهم سيستريحون مماهم فيه من تسخير سليمان إياهم على التكاليف الشاقة والأعمال المستمرة الدائمة بموته فلما ولد له ابن قال بعضهم لبعض ان عاش له ولده لم ننفك عما نحن فيه من البلاء فسبيلنا ان نقتل ولده أو نخبله والتخبيل إفساد العقل والعضو فعلم سليمان بذلك فامر السحاب فحمله وكانت الريح تعطيه غذاءه وربى فيه خوفا من مضرة الشياطين فابتلاه اللّه لأجل خوفه هذا وعدم توكله في امر ابنه على ربه العزيز بموت ابنه حيث مات في السحاب والقى ميتا على كرسيه فهو المراد من الجسد الملقى على كرسيه قال في شرح المقاصد فتنبه لخطأه في ترك التوكل فاستغفر وتاب فهذا مما لا بأس به وغايته ترك الأولى إذ ليس في التحفظ ومباشرة الأسباب ترك الامتثال لامر التوكل على ما قال عليه السلام ( اعقلها وتوكل ) انتهى فان قلت كان الشياطين يصعدون إلى السماء وقتئذ فما فائدة رفعه في السحاب في المنع عنهم قلت فائدته ان الشياطين التي خاف سليمان على ابنه منهم كانوا في خدمته الدائمة في الأرض فكان في الرفع إلى السحاب رفعه عن أبصارهم وتغييبه عن عملهم وتسليمه إلى محافظة الملائكة ولما القى ابنه الميت على كرسيه جزع سليمان عليه إذ لم يكن له الا ابن واحد فدخل عليه ملكان فقال أحدهما ان هذا مشى في زرعى فافسده فقال له سليمان لم مشيت في زرعه قال لان هذا الرجل زرع في طريق الناس فلم أجد مسلكا غير ذلك فقال سليمان للآخر لم زرعت على طريق الناس أما علمت أن الناس لا بدلهم من طريق يمشون